في عام 2010، أطلقت شركة فيسبوك (التي أصبحت ميتا لاحقًا) مبادرة Facebook Zero أو زيرو فيسبوك، التي كانت تهدف إلى توفير وصول مجاني إلى نسخة خفيفة من منصتها عبر الهواتف المحمولة، خاصة في الدول النامية حيث كانت تكاليف إستخدام الانترنت عالية والهواتف غير الذكية شائعة.
كانت الفكرة بسيطة: السماح للمستخدمين بتصفح النصوص، المنشورات، والرسائل دون خصم بيانات، لكن هذه البساطة سرعان ما تحولت إلى جدل عالمي حول حيادية الشبكة وكيف يمكن لشركة خاصة أن تكون بوابة الإنترنت لملايين الناس.
في 2026، مع انتشار الـ5G والإنترنت الرخيص نسبيًا في المنطقة العربية، قد تبدو Facebook Zero قصة تاريخية، لكن دروسها لا تزال حية: كيف غيرت مفهوم الوصول إلى الإنترنت في الدول النامية، وكيف أثرت على المستخدمين العرب في الوصول إلى المعلومات والتواصل.
هذا المقال يسرد القصة كاملة، يحلل تأثيرها، ويستخرج الدروس، مستندًا إلى تقارير ودراسات موثوقة.
بداية القصة: الإطلاق والفكرة الأساسية
أطلقت فيسبوك مبادرة زيرو فيسبوك في مايو 2010، كجزء من استراتيجية التوسع في الأسواق الناشئة.
كان الموقع الرسمي 0.facebook.com نسخة خفيفة جدًا من المنصة، مصممة للهواتف غير الذكية (Feature Phones) التي تعمل على شبكات 2G أو 3G البطيئة.
الميزة الرئيسية كانت Zero Rating، أي عدم خصم بيانات من رصيد المستخدم لتصفح النصوص، المنشورات، والتعليقات. لكن الصور، الفيديوهات، والروابط الخارجية كانت تتطلب بيانات مدفوعة، مع تحذير واضح عند الضغط عليها.
التعاون كان مع شركات الاتصالات في أكثر من 50 دولة، بما في ذلك دول عربية مثل مصر، تونس، المغرب، الأردن، والسعودية.
الفكرة كانت جسرًا للوصول إلى الإنترنت لمن لا يستطيعون تحمل تكاليف البيانات، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الدول النامية أقل من 20% في ذلك الوقت.
بحسب تقرير فيسبوك الداخلي لعام 2011، وصل المشروع إلى 100 مليون مستخدم في أقل من عامين، معظمها من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
التطور إلى Internet.org وFree Basics: الطموح الكبير
مع الوقت، تطورت زيرو فيسبوك إلى مشروع أكبر يُدعى Internet.org في 2013، ثم Free Basics في 2015.
الهدف كان توسيع الوصول المجاني إلى تطبيقات أخرى مختارة (مثل ويكيبيديا، مواقع صحية، وأدوات تعليمية)، بالشراكة مع مشغلي الاتصالات.
في المنطقة العربية، كانت المبادرة نشطة في مصر مع Vodafone وEtisalat، تونس مع Tunisie Telecom وTunisiana (أوريدو تونس الآن)، والمغرب مع Maroc Telecom، حيث ساعدت في زيادة التقدم الرقمي من 20-30% في 2010 إلى أكثر من 70% بحلول 2015 في بعض الدول.
لكن الجانب الإيجابي سرعان ما واجه انتقادات: الوصول كان محدودًا بتطبيقات مختارة من فيسبوك، مما جعلها تبدو كإنترنت محصور بدلاً من الإنترنت الكامل.
الجدل العالمي: حيادية الشبكة والاتهامات بالاحتكار
أثار زيرو فيسبوك (Facebook Zero) جدلاً كبيرًا حول حيادية الشبكة، وهي المبدأ الذي ينص على معاملة جميع البيانات بالتساوي دون تفضيل.
منتقدون مثل Tim Berners-Lee (مخترع الويب) ومنظمة Access Now رأوا فيه تمييزًا لصالح فيسبوك، حيث يحصل المستخدم على الوصول المجاني إلى فيسبوك فقط، بينما يدفع للمواقع الأخرى.
هذا يعطي فيسبوك ميزة احتكارية، خاصة في الدول النامية حيث يعتقد 50% من المستخدمين أن فيسبوك هو الإنترنت حسب دراسة Quartz لعام 2015.
في الهند، حُظر Free Basics في 2016 من قبل الهيئة التنظيمية TRAI، لأنه يخالف مبدأ حيادية الشبكة.
مشابهًا، في مصر، تم تعليق الخدمة مؤقتًا في 2015 بسبب مخاوف أمنية وتنظيمية، ثم عادت بشكل محدود.
التقارير من Alliance for Affordable Internet (A4AI) في 2016–2017 أظهرت أن مثل هذه المبادرات قد تزيد الوصول قصير المدى، لكنها تقلل المنافسة طويل المدى وتحد من الابتكار.
التأثير على المستخدمين العرب: فوائد قصيرة وأضرار طويلة
في المنطقة العربية، ساعد زيرو فيسبوك في زيادة الوصول إلى الإنترنت للفقراء والمناطق الريفية، حيث كانت تكاليف البيانات عالية (مثل 5–10 دولارات لـ1 جيجابايت في 2010).
في تونس، ساهم في نمو عدد المستخدمين من 1.5 مليون في 2010 إلى 8 ملايين في 2015، حسب بيانات البنك الدولي.في مصر، استخدمه ملايين خلال ثورة 2011 للتواصل دون تكاليف إضافية.
لكن التأثير السلبي كان أكبر:
- احتكار المحتوى: كثير من المستخدمين العرب بقوا محصورين داخل فيسبوك، دون استكشاف مواقع أخرى، مما قلل التنوع الإعلامي وتعزز الفقاعات الرقمية.
- ارتفاع التكاليف طويل المدى: بعد انتهاء المبادرة في بعض الدول (مثل تعليقها في مصر 2015)، اضطر المستخدمون إلى دفع كامل التكاليف، مما زاد العبء المالي على الأسر الفقيرة (تقرير World Bank 2016 يشير إلى أن 20% من الدخل في الدول النامية يذهب للاتصالات).
- الفجوة الرقمية: في تونس، ساعد في المناطق الحضرية، لكن الريف بقي متأخرًا بسبب ضعف البنية التحتية، مما زاد التفاوت الاجتماعي (تقرير UNDP 2017).
- التأثير على الخصوصية: الوصول المجاني كان يعني جمع بيانات هائلة من فيسبوك، مما أثار مخاوف في دول مثل مصر والأردن حول الخصوصية.
الدروس المستفادة: من زيرو فيسبوك إلى عصر الـ5G
- أهمية حيادية الشبكة: المبادرة أثبتت أن الإنترنت المجاني المحدود يمكن أن يكون بوابة للاحتكار، لذا أصبحت قوانين مثل تلك في الهند نموذجًا للدول العربية (تونس والمغرب بدأتا مناقشات مشابهة في 2025).
- الاعتماد على المنصات الخاصة: تعلم العرب أن الاعتماد على فيسبوك كإنترنت يحد من الوصول إلى المحتوى المتنوع، مما دفع لمبادرات حكومية مثل تونس الرقمية لتعزيز الوصول المفتوح.
- التأثير الاقتصادي: المنافسة الحقيقية تخفض الأسعار.
- المستقبل: في 2026، مع الـ5G، أصبحت البيانات أرخص، لكن دروس زيرو فيسبوك تذكرنا بضرورة التنظيم لمنع الاحتكار.
في النهاية، زيرو فيسبوك (Facebook Zero) أو زيرو فايسبوك كانت خطوة ذكية لفيسبوك، لكنها كشفت مخاطر الوصول المجاني المحدود. للمستخدم العربي، الدرس الأكبر هو المطالبة بإنترنت مفتوح وحر، لا يسيطر عليه عملاق واحد.




بالنشر، أنت توافق على سياسة التعليقات.