منذ سبتمبر الماضي، يواجه أصحاب المواقع حول العالم ظاهرة رقمية محيرة: ارتفاع هائل في زيارات وهمية تنطلق من مدينة لانتشو الصينية وسنغافورة، في ما يبدو أنه حملة ضخمة لجمع البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
لقد واجهت هذه الروبوتات عند مراقبة الزيارات على موقع بيتكوسات. في البداية ضننت أنني أنا فقط المستهدف، لكن مع الوقت عرفت أن هذه الروبوتات تجتاح المواقع العالمية وليس موقعي العربي التقني المختص في العملات الرقمية فقط.
تذكر هذا: موقع عربي موجه للعرب وزيارات من الصين وسنغافورة. الأمر غريب أليس كذلك؟
ربما أنت أحد الأشخاص الذين تعرضوا لتقييد الإعلانات على أدسنس. أنت لست وحدك! ربما يكون السبب الروبوتات الصينية.
أليخاندرو كوينتيرو، محلل بيانات في بوغوتا يدير موقعاً متخصصاً في الظواهر الخارقة، اكتشف أن أكثر من نصف زيارات موقعه السنوية في 2025 جاءت من آسيا، ظن في البداية أنه اكتسب شهرة غير متوقعة في الصين، لكنه سرعان ما أدرك الحقيقة: كانت روبوتات، وليست بشراً.
محتويات المقال:
علامات لا تخطئها العين
عند فحص بيانات Google Analytics، اكتشف كوينتيرو أن جميع الزوار الصينيين تمركزوا في مدينة واحدة: لانتشو، مع متوسط وقت بقاء يساوي صفر ثانية، ودون أي تمرير أو نقر على الصفحات.
الخصائص المشتركة للزيارات واضحة: معدل ارتداد يقترب من 100%، مدة جلسة تساوي صفر ثانية، وانعدام تام للتفاعل أو التحويلات. لم تكن هذه أعين بشرية من بكين، بل جيشاً من الروبوتات يكشط المحتوى بصمت.
ظاهرة عالمية تضرب الجميع
المواقع المتأثرة تتنوع بشكل مثير للقلق: مجلة أسلوب حياة هندية، مدونة عن جزيرة صغيرة قبالة كندا، مواقع محافظ شخصية، منصة تنبؤات جوية بأكثر من 15 مليون مستخدم، وحتى مواقع الحكومة الأمريكية.
تشير بيانات Analytics.usa.gov إلى أن 14.7% من الزيارات لمواقع الحكومة الأمريكية في آخر 90 يوماً جاءت من لانتشو، و6.6% من سنغافورة.
ارتفعت نسبة زيارات الروبوتات من زيارة واحدة لكل 200 زيارة بشرية في بداية 2025 إلى زيارة واحدة لكل 31 زيارة بشرية في الربع الرابع من العام، مما يعني تضاعف النشاط الآلي بشكل كبير.
لانتشو: مدينة غير متوقعة
لانتشو مدينة من الدرجة الثانية في شمال غرب الصين، معروفة بصناعاتها الثقيلة وتاريخها كمركز تجاري على طريق الحرير، لكنها ليست مركزاً تقنياً ولا تستضيف أعداداً كبيرة من مراكز البيانات.
يؤكد غافن كينغ، مؤسس شركة Known Agents المتخصصة في تحليل الحركة الآلية على الإنترنت، أن تحديد الموقع في لانتشو قد يكون مجرد تخمين من Google Analytics وليس موقعاً دقيقاً، لكن الأكيد أن كل الحركة تُوجَّه عبر خوادم تابعة لشركات السحابة الصينية الكبرى مثل Tencent وAlibaba وHuawei.
سنغافورة: بوابة التمويه
سنغافورة ليست المصدر الحقيقي، بل نقطة عبور استراتيجية. أصبحت سنغافورة مركزاً ضخماً لمراكز البيانات ونقاط خروج VPN في آسيا، حيث تُوجِّه الروبوتات الصينية حركتها عبر خوادم سنغافورة لتجاوز الحظر الإقليمي.
الهدف: تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي
رغم عدم وجود معلومات دقيقة عن الجهات المسؤولة، يعتقد خبراء الصناعة بقوة أن هذه الروبوتات مرتبطة بجهود شركات الذكاء الاصطناعي الصينية لحصاد بيانات الويب لتدريب نماذجها اللغوية الكبيرة.
أظهر تقرير صناعي لعام 2026 أن 70% من جميع نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية والنماذج اللغوية الكبيرة يتم تدريبها الآن بشكل أساسي على بيانات مكشوطة من الويب.
السبب واضح: النماذج المدربة فقط على بيانات اصطناعية تعاني من “انهيار النموذج”، وتحتاج إلى بيانات “صنع الإنسان” للحفاظ على جودتها.
ليست مجرد أرقام فارغة
المشكلة ليست في أمن الموقع مباشرة، فلا توجد تقارير عن حسابات مخترقة أو طلبات خادم غير عادية، لكن التأثير يكمن في تشويه البيانات التحليلية بشكل كامل.
أصحاب المواقع يفقدون الثقة في تقاريرهم الخاصة. معدلات التحويل تنخفض بشكل وهمي لأن الارتفاع في الجلسات لا يصاحبه أي نية شرائية. خطوط الاتجاهات تنكسر، وتحليل سلوك المستخدم الحقيقي يصبح شبه مستحيل.
كيف تحمي موقعك؟
الخبراء يقدمون حلولاً عملية لمواجهة هذا الطوفان:
- استخدام Cloudflare: توفر كلاود فلير ميزة مخصصة تسمى “AI Scrapers and Crawlers” في لوحة التحكم، تحتفظ بقاعدة بيانات محدثة للروبوتات المعروفة وتحجبها تلقائياً.
- تصفية Google Analytics: إنشاء فلاتر مخصصة لاستبعاد الحركة من الصين وسنغافورة إذا لم تكن ضمن جمهورك المستهدف، وإنشاء شرائح تركز فقط على المستخدمين المتفاعلين.
- مراقبة أنماط السلوك: ابحث عن زيارات بمعدل ارتداد قريب من 100%، مدة جلسة صفر ثانية، وطلبات متكررة لملفات معينة مثل /site.webmanifest.
- ما إستخدمته أنا في موقع بيتكوسات: بما أن المحتوى الخاص بي موجه للعرب المهتمين بالمعرفة أكثر عن البلوكشين والعملات الرقمية، قمت بحظر الصين وسنغافورة من قائمة الدول المسموح لها الدخول لموقعي عبر كلاود فلاير، لأن المحتوى الخاص بي غير موجه لهم. والأمر نجح معي فعلا.

ملاحظة: الزيارات كانت كبيرة قبل إستخدامي الحظر لكنها بدأت في الإنخفاض تدريجيا إلى 50-70 زيارة بعد تطبيق الحظر عبر كلاود فلاير.
سباق التسلح على البيانات
ما يميز هذه الموجة هو التحول من الفحص العشوائي والانتهازي إلى استطلاع منسق ومنهجي.
اكتشاف ارتفاعات متزامنة من كتل IP واحدة في لانتشو تستهدف وكالات فيدرالية أمريكية وناشرين صغار ومزودي بنية تحتية في نفس الوقت يشير إلى نشاط منسق وليس عشوائياً.
هذا النمط يمثل نقلة نوعية: من الفحص الموزع والتفاعلي إلى استطلاع مستهدف ومنظم. الهدف لم يعد البحث عن ثغرات منخفضة التعليق، بل رسم خريطة منهجية للبنية التحتية الرقمية العالمية.
تهديد حقيقي أم ضجيج مبالغ فيه؟
بعد فحص دقيق لسجلات الطلبات واختبار قواعد Cloudflare في الوقت الفعلي، ظهر نمط واضح: ثلاثة مصادر مختلفة من “الحركة الغريبة” يتم دمجها والإشارة إليها على أنها من مصدر جغرافي واحد. هناك أتمتة حقيقية باستخدام متصفحات Chromium بلا رأس، والأصل من سنغافورة / الصين غالباً ليس الأصل الحقيقي بل مجرد توجيه عبر نقاط عبور Cloudflare.
لكن التأثير الاقتصادي حقيقي. عندما يُكشط المحتوى ويُلخَّص بواسطة أنظمة ذكاء اصطناعي لا يمكن السيطرة عليها، فإن ذلك يحرم منشئي المحتوى من النقرات والإيرادات المصاحبة.
هذه الموجة الغامضة تمثل فصلاً جديداً في حرب البيانات العالمية، حيث أصبح كل موقع على الإنترنت مادة خام لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي في سباق محموم نحو التفوق التكنولوجي، بينما يكافح أصحاب المواقع لحماية أصولهم الرقمية في عصر يصعب فيه التمييز بين الإنسان والآلة.
المصادر:
Inc.com: ارتفاع مفاجئ في حركة مرور برامج الروبوت الغريبة القادمة من الصين
The Cyber Express: برامج روبوت صينية تستهدف مواقع إلكترونية تابعة لبوابات حكومية ومدونات
DefiniteSEO: ارتفاع مفاجئ في زيارات روبوتات من الصين وسنغافورة
The Meridiem: تشير زيارات الروبوتات من الصين إلى تحول من الهجمات إلى الاستطلاع المنهجي
DNYUZ: موجة من حركة مرور الروبوتات غير المبررة تجتاح الإنترنت
Cortes Currents: الروبوتات تتغلب على تيارات كورتيس
Stan Ventures: إحصائيات جوجل غارقة بزيارات الروبوتات من الصين وسنغافورة
Razib Marketing: لماذا يحظى موقعك الإلكتروني بشهرة واسعة في الصين وسنغافورة؟
Proceed Innovative: الزيارات المباشرة المفاجئة من الصين وسنغافورة – دلالاتها وكيفية التعامل معها





بالنشر، أنت توافق على سياسة التعليقات.