في مطلع عام 2026، أشار داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، خلال مشاركات إعلامية وتصريحات عامة، إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تقترب خلال فترة قصيرة من تنفيذ نسبة كبيرة من المهام التي يؤديها المهندسون البرمجيون اليوم.
كما أوضح أن عدداً من المهندسين داخل الشركة باتوا يعتمدون على النماذج لكتابة الكود الأولي، بينما يركزون هم على المراجعة والتوجيه والتحسين.
محتويات المقال:
الأرقام التي تقول الحقيقة
قبل الخوض في التحليل، دعنا نتوقف أمام بعض الأرقام الصارخة التي ترسم الصورة الحقيقية لما يجري اليوم.
في عام 2025، أظهرت أبحاث GitHub وMicrosoft أن أدوات مثل GitHub Copilot تُستخدم على نطاق واسع لكتابة أجزاء من الأكواد في المشاريع البرمجية، خصوصاً الوظائف المتكررة أو الوحدات البسيطة، مع تأثير ملحوظ في لغات برمجة شائعة مثل جافا سكريبت و بايثون، حيث يصل معدل قبول الاقتراحات من Copilot في بعض التجارب إلى نحو 30–46%.
تشير دراسات تجريبية إلى أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع إنتاجية المطورين بنسبة تتراوح بين 20% و55% في مهام محددة مثل كتابة الوظائف المتكررة أو الاختبارات البرمجية.
وقد أظهرت تجارب أجرتها GitHub أن المطورين الذين يستخدمون Copilot يُنجزون المهام بشكل أسرع بشكل ملحوظ مقارنة بغير المستخدمين.
وعلى الصعيد الاقتصادي، نما سوق توليد الأكواد بالذكاء الاصطناعي من 4.91 مليار دولار عام 2024، ويُتوقع أن يبلغ 30.1 مليار دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركّب يناهز 27%.
أصوات القيادة التقنية: جرس إنذار أم مبالغة؟

الأمر لا يقتصر على أموديي. فسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، يرى أن الذكاء الاصطناعي سيُحل تدريجياً محل الوظائف البرمجية بشكل متسارع.
ومارك زوكربرغ أعلن أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيحلّون قريباً محل المهندسين من المستوى المتوسط في ميتا.
فيما أشار مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لـ Salesforce، إلى أن شركته كانت تدرس جدياً التوقف عن توظيف مهندسين جدد عام 2025، مستنداً إلى “مكاسب إنتاجية استثنائية” تحققت بفضل الوكلاء البرمجيين.
بل إن أموديي ذهب إلى أبعد من ذلك في مقال نشره مطلع عام 2026، مُحذِّراً من أن الذكاء الاصطناعي قد يُزيح نصف وظائف العمال ذوي الياقات البيضاء من المستوى المبتدئ في غضون سنة إلى خمس سنوات.
غير أن أصواتاً أكثر تحفظاً تُصعّد من تعقيد المشهد. أندرج كارباتي، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، أطلق مطلع عام 2025 مصطلح “البرمجة التفاعلية السريعة” (Vibe Coding) ليصف نمطاً جديداً من البرمجة حيث يصف المطورون ما يريدون بلغة بشرية، ويتولى الذكاء الاصطناعي التنفيذ.
لكنه أكد لاحقاً، في الذكرى السنوية الأولى لهذا المصطلح، أن هذا الأسلوب تطور نحو ما سمّاه “الهندسة الوكيلة”، حيث لا يكتب المطور الكود مباشرةً في معظم الأحيان، بل يُنسّق وكلاء الذكاء الاصطناعي ويتصرف كمشرف.
ماذا تقول مراكز البحث والدراسات الكبرى؟
بعيداً عن تصريحات المديرين التنفيذيين، ثمة قراءة أكثر دقة من مراكز الأبحاث العالمية.
تُحذّر مؤسسة Goldman Sachs من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على ما يصل إلى 300 مليون وظيفة حول العالم في المستقبل القريب، وتُدرج المبرمجين ضمن الفئات الأكثر عرضة للأتمتة.
بيد أن التقرير نفسه يُشير إلى أن التأثير الفعلي على مؤشرات سوق العمل الإجمالية لا يزال شبه معدوم حتى الآن، وأن التحولات الكبرى “تحتاج على الأقل سنتين أخريين قبل أن تتجلى بوضوح”.
ترى ماكينزي أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيغير طبيعة العمل في كثير من المجالات، بما في ذلك تطوير البرمجيات، حيث سيؤدي إلى أتمتة العديد من المهام المتكررة والتقليدية، بينما تبقى الحاجة قائمة إلى مدخلات بشرية في التخطيط الاستراتيجي، التصميم، الإشراف، اتخاذ القرار، وضمان جودة الحلول.
وتشير أبحاث McKinsey إلى أن الذكاء الاصطناعي من المرجح أن يكمل مهام البشر ويعيد تشكيل أدوارهم المهنية بدلًا من استبدالهم بشكل كامل، وأن التحول يتطلب استثمارًا كبيرًا في المهارات والتدريب لفِرَق العمل.
وتتوقع أن يخلق الذكاء الاصطناعي 9 ملايين وظيفة جديدة في الولايات المتحدة وحدها بحلول عام 2030، مع التشديد على ضرورة إعادة تأهيل المهارات.
في المقابل، كشف تقرير Forrester لعام 2025 أن المطورين لا يقضون سوى 24% من وقتهم في كتابة الكود فعلياً، فيما يتوزع الباقي على التصميم والاختبار وإصلاح الأعطال والاجتماعات مع أصحاب المصلحة. وهذه الحقيقة وحدها تُعقّد بشكل كبير أي تقدير مبسّط لإمكانية استبدال المبرمجين.
بعض التحليلات المستقبلية الصادرة عن مراكز بحثية أمريكية ترى أن الأتمتة المتقدمة قد تؤثر بشكل كبير على تطوير البرمجيات بحلول العقدين القادمين، إلا أنه لا توجد حتى الآن جهة بحثية رسمية تتوقع استبدالاً كاملاً لمطوري البرمجيات ضمن إطار زمني قصير.
ما الذي يعجز عنه الذكاء الاصطناعي حتى الآن؟

رغم كل هذا الضجيج، ثمة حقائق تقنية صارمة تكبح التفاؤل المفرط. فاستطلاع Stack Overflow لعام 2025 أظهر أن 76% من المطورين لا يخططون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مهام النشر والمراقبة، وأن 69% يرفضون توظيفه في تخطيط المشاريع.
والسبب واضح: الذكاء الاصطناعي يكتب الكود، لكنه يفشل في استيعاب السياق الأشمل.
قرار هندسي جيد لا يتعلق فقط بما إذا كان الكود “يعمل”، بل بما إذا كان متوافقاً مع أهداف العمل على المدى البعيد، وقابلاً للصيانة، وآمناً، وقادراً على التطور. هذه أحكام تقديرية تظل حكراً على الإنسان حتى الآن.
أظهرت دراسات أكاديمية أن الأكواد المولدة بالذكاء الاصطناعي قد تحتوي في بعض الحالات على ثغرات أمنية أو أنماط برمجية غير مثالية، مما يتطلب مراجعة بشرية دقيقة.
وتشير بعض الأبحاث إلى ارتفاع احتمالية ظهور ثغرات مقارنة بالكود المكتوب يدوياً إذا لم تتم مراجعته بعناية.
كذلك كشف تقرير DORA لعام 2024 الصادر عن جوجل أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُحسّن سرعة التوثيق، لكنه يُحدث انخفاضاً بنسبة 7.2% في استقرار عمليات التسليم.
التأثير على المبتدئين أولاً
إن كان ثمة توافق شبه عام في الصناعة، فهو يتعلق بالمبرمجين المبتدئين أكثر من سواهم.
فالوظائف التي اعتادت أن تكون نقطة دخول للخريجين الجدد مثل كتابة الأكواد الروتينية، والوحدات البسيطة، وإصلاح الأخطاء المتكررة، هي بالضبط المهام الأكثر قابليةً للأتمتة.
رصدت تقارير سوق العمل في الولايات المتحدة وأوروبا تباطؤاً ملحوظاً في توظيف المطورين المبتدئين خلال عامي 2023 و2024، خصوصاً في شركات التقنية الكبرى، بالتزامن مع موجة تسريحات وإعادة هيكلة واسعة في القطاع.
وهذا يعني عملياً أن سُلَّم الترقي الوظيفي التقليدي من مبرمج مبتدئ إلى متوسط إلى أول، بات مهدداً.
وأكد ذلك الرئيس التنفيذي لـ Goldman Sachs بالأرقام: فقد ارتفعت البطالة بين العاملين في تخصصات التقنية من الفئة العمرية 20-30 عاماً بما يقارب 3 نقاط مئوية منذ مطلع عام 2025.
بين التشاؤم والتفاؤل: من ينتصر بالحجج؟
بيل غيتس، الذي أجرى حواراً مطولاً مع سام ألتمان، قال صراحةً إن الذكاء الاصطناعي سيغير كل الصناعات بشكل جذري، لكنه حدّد ثلاث وظائف ستبقى كما هي، وكانت البرمجة أولها. وأضاف أن المطورين سيظلون دائماً مطلوبين لتصحيح نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها.
وفي السياق ذاته، يؤكد أندرو إنج، أحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعي، أنه لم يكن تعلُّم البرمجة أسهل مما هو عليه الآن، ولكنها أيضاً لم تكن أكثر أهمية في التاريخ.
أما يان لوكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي في ميتا، فيرى أننا لا نزال بعيدين جداً عن الذكاء الاصطناعي الذي يضاهي الإنسان في قدراته العامة.
وربما الجملة الأكثر تداولاً في أوساط التقنية اليوم، والمنسوبة عادةً إلى جيف أتوود، أحد مؤسسي Stack Overflow: “الذكاء الاصطناعي لن يستبدل المطورين، لكن المطوّر الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي سيستبدل المطوّر الذي لا يستخدمه.”
ماذا يعني ذلك عملياً للمبرمجين العرب؟
في ضوء كل ما سبق، الإجابة ليست “نعم” أو “لا”، بل “كيف وأين ومتى”. الوظائف البرمجية لن تختفي، لكنها ستتحول جذرياً.
المبرمج الذي يرفض التكيف سيجد نفسه في مواجهة ضغوط متزايدة، بينما المبرمج الذي يُحسن توظيف هذه الأدوات سيتضاعف إنتاجه ويرتفع موقعه.
التحولات المتوقعة خلال السنوات الخمس القادمة تسير في ثلاثة اتجاهات واضحة:
- ستنتقل البرمجة من كتابة الكود السطر تلو الآخر إلى توجيه وكلاء الذكاء الاصطناعي والإشراف على مخرجاتهم.
- ستتصاعد قيمة المهارات الفوق تقنية، كالتصميم المعماري للأنظمة، وفهم متطلبات الأعمال، وضمان الجودة والأمان.
- ستُصبح القدرة على التواصل مع الأنظمة الذكية كتوجيهها بدقة، وتقييم مخرجاتها نقدياً، وتصحيح مساراتها مهارةً أساسية لا اختيارية.
يتوقع Bureau of Labor Statistics نمواً ملحوظاً في وظائف مطوري البرمجيات خلال العقد الحالي، بنسبة تقارب 17% إلى 22% بين عامي 2023 و2033، وهو معدل أسرع من المتوسط العام للوظائف.
الخلاصة: تحوّل لا اختفاء
السؤال الحقيقي ليس “هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي المبرمجين؟” بل “أي نوع من المبرمجين سيبقى ذا قيمة في عالم تكتب فيه الآلة جُلَّ الكود؟”
الإجابة التي تتشكل أمامنا اليوم تقول: المبرمج الذي يفكر أكثر مما يكتب، الذي يفهم ما يريده المستخدم قبل أن يكتب سطراً واحداً، والذي يستطيع أن يُقيّم الكود الذي تولّده الآلة ويُحسّنه، هذا المبرمج لن يكون مهدداً، بل سيكون أكثر قيمةً من أي وقت مضى.
التاريخ يُعلّمنا أن كل موجة تقنية كبرى لم تُلغِ المهن، بل أعادت تعريفها. لم تُلغِ الآلات الحاسبة المحاسبين، ولم تُلغِ الكاميرات الرقمية المصورين. لكنها غيّرت ما يعنيه أن تكون محاسباً أو مصوراً. والذكاء الاصطناعي لن يكون استثناءً.
المصادر والمراجع:
استطلاع مطوري Stack Overflow 2024
الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يرفع الناتج العالمي 7% – Goldman Sachs
توقعات وظائف مطوري البرمجيات 2023–2033 – BLS
تقرير GitClear 2024 – تأثير Copilot على جودة الكود

